عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
72
اللباب في علوم الكتاب
أظهرهما : أنها للتشبيه . والثاني : أنها للتعليل ، فعلى القول الأول تكون نعت مصدر محذوف . واختلفوا في متعلقها حينئذ على خمسة أوجه : أحدها : أنها متعلقة بقوله : « ولأتم » تقديره : ولأتم نعمتي عليكم إتماما مثل إتمام الرسول فيكم ، ومتعلّق الإتمامين مختلف ، فالأول بالثواب في الآخرة ، والثاني بإرسال الرسول في الدنيا ، أو الأول بإيجاب الدعوة الأولى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [ البقرة : 138 ] . والثاني بإجابة الدعوى الثانية في قوله : « رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [ البقرة : 129 ] [ قاله ابن جرير ] « 1 » ، ورجحه مكي ؛ لأن سياق اللفظ يدلّ على أن المعنى : ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم ، كما أجبنا دعوته فيكم ، فأرسلنا إليكم رسولا منكم . الثاني : أنها متعلّقة ب « تهتدون » ، تقديره : يهتدون اهتداء مثل إرسالنا فيكم رسولا ، ويكون تشبيه الهداية بالإرسال في التحقيق والثبوت أي : اهتداء متحققا كتحقيق إرسالنا . الثالث : وهو قول أبي مسلم : أنها متعلقة بقوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] ، أي : جعلا مثل إرسالنا . وهذا بعيد جدا ؛ لطول الفصل المؤذن بالانقطاع . الرابع : أنها متعلقة بما بعدها وهو « اذكروني » [ قال مجاهد وعطاء والكلبي : وروي عن علي رضي اللّه عنه ، واختاره الزّجاج : كما أرسلنا فيكم رسولا تعرفونه بالصدق ، فاذكروني بالتوحيد والتصديق به ، وعلى هذا فالوقف على « تهتدون » جائز ] « 2 » . قال الزمخشري « 3 » : كما ذكرتكم بإرسال الرسل ، فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب ، فيكون على تقدير مصدر محذوف ، وعلى تقدير مضاف أي : اذكروني ذكرا مثل ذكرنا لكم بالإرسال ، ثم صار : مثل ذكر إرسالنا ، ثم حذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، وهذا كما تقول : كما أتاك فلان فإنه يكرمك ، و « الفاء » غير مانعة من ذلك . قال أبو البقاء : « كما » لم تمنع في باب الشرط يعني أن ما بعد فاء الجزاء يعمل فيما قبلها . وقد ردّ مكي هذا بأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه ، و « اذكروني » قد أجيب بقوله : « أذكركم » فلا يتعلق به ما قبله . قال : ولا يجوز ذلك إلا في التشبيه بالشرط الذي يجاب بجوابين ، نحو : إذا أتاك فلان فأكرمه ترضه ، فيكون « كما » ، و « فأذكركم » جوابين للأمر ، والأول أفصح وأشهر ،
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر الكشاف : 1 / 206 .